القرطبي

12

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ) أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه . وقيل : إنهم لما قالوا : " لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك " هم أن يدع سب آلهتهم فنزلت هذه الآية ، فالكلام معناه الاستفهام ، أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما سألوك ؟ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ ، كقوله : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " ( 1 ) [ المائدة : 67 ] . وقيل : معنى الكلام النفي استبعاد ، أي لا يكون منك ذلك ، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك ، وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا لاتبعناك ، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم ، فنزلت . قوله تعالى : ( وضائق به صدرك ) عطف على " تارك " و " صدرك " مرفوع به ، والهاء في " به " تعود على " ما " أو على بعض ، أو على التبليغ ، أو التكذيب . وقال : " ضائق " ولم يقل ضيق ليشاكل " تارك " الذي قبله ، ولأن الضائق عارض ، والضيق ألزم منه . ( أن يقولوا ) في موضع نصب ، أي كراهية أن يقولوا ، [ أو لئلا يقولوا ] ( 2 ) كقوله : " يبين الله لكم أن تضلوا " ( 3 ) [ النساء : 176 ] أي لئلا تضلوا . أو لأن يقولوا . ( لولا ) أي هلا ( أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ) يصدقه ، قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي ، فقال الله تعالى : يا محمد ( إنما أنت نذير ) إنما عليك أن تنذرهم ، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات . ( والله على كل شئ وكيل ) أي حافظ وشهيد . قوله تعالى : ( أم يقولون افتراه ) " أم " بمعنى بل ، وقد تقدم في " يونس " ( 4 ) أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن ، وحججتهم به ، فإن قالوا : افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم . ( وادعوا من استطعتم من دون الله ) أي من الكهنة والأعوان . قوله تعالى : فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ( 14 )

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 242 . ( 2 ) من و . ( 3 ) راجع ج 6 ض 28 فما بعد . ( 4 ) راجع ج 8 ص 344